ابن سبعين

178

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

وكان لا يدعوه أحد من أصحابه وغيرهم إلا وقال : لبيك . وكان إذا جلس مع الناس إن تكلموا في معنى الآخرة أخذ معهم ، وإن تحدثوا في طعام أو شراب تحدّث معهم ، وإن تكلموا في الدنيا تحدّث معهم رفقا بهم وتواضعا لهم . وكان يتناشدون الشعر بين يديه أحيانا ، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية ، ويضحكون فيبتسم هو إذا ضحكوا ، ولا يزجرهم إلا عن حرام . النور الثامن عشر وهو نور الأتباع : فما ظهر لهم من النصر بالسنان فإنهم استفتحوا بلاد الكفر من بعده صلّى اللّه عليه وسلّم وما فتح اللّه به ، وما ظهر على رجال أمته من الكرامات على العلماء من العلوم على أنحائها . وبالجملة : ظهر أن الأمر فيه مع الأنبياء والرسل هو الأمر فيهم مع العلماء والملل والدول . وقوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] فهي ذلك الآية . * قلت : فهو نور الأمم : أي البادي في نفسه المبدي لغيره ، والأمم : جمع أمّة ، وهي الطائفة القاصدة لمأمّ : أي مقصد يقصده ؛ ليهتدي به مما أحست به من ضلال مسلكها ، وأن اللّه عزّ وجلّ كما ورد : خلق الخلق في ظلمة « 1 » ، وظلمة الخلق ذواتهم وإحساسهم بأنفسهم ، تلك ظلمتهم التي طمست عنهم الوجد بربّهم ، ثم تضاعفت عليهم ظلم ذواتهم دركة دركة إلى أسفل سافلين وإلى أطباق سجين ، بحيث صارت أدنى الظلمتين طمسا أهونهما بما يداخل أدنى الظلمتين من نور يظهر ظلمه أشدهما ، وكل نور يظهر ذاتا من ذوات الخلق ؛ فهو بما يظهر نور ، وبما هو دون إراءة الحق وإظهار نور اللّه ظلمة .

--> ( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 4 / 113 ) ، وذكره المباركفوري في تحفة الأحوذي ( 7 / 166 ) .